“هاكونا ماتاتا..حكمة نغمها لذيذ” بهذه الكلمات استهلت واحدة من أشهر الأغنيات لفيلم “الأسد الملك” الذي عرض عام 1994 بالتوازي مع النسخة الأجنبية، حققت هذه النسخة بالعامية المصرية نجاحًا مبهرًا، ليس فقط على مستوى مصر بل على مستوى الشرق الأوسط أجمع، وأعربت شركة ديزني عن شكرها وتقديرها لفريق العمل، حيث اعتبرت هذه النسخة واحدة من أفضل النسخ المدبلجة على مستوى العالم.
لم تكن عملية الدبلجة مجرد إعادة لتسجيل الأصوات، بل كانت بمثابة إعادة خلق لقصة عاطفية مؤثرة بالنسبة للجمهور العربي، فقد تم اختيار الممثلين بعناية وبتوجيهات من شركة ديزني، فبعد رفضهم للعديد من المواهب الصوتية لتأدية شخصية “تيمون” على مدار 3 شهور، تم اختيار الفنان ” محمد هنيدي” فور سماعهم للمقاطع الصوتية التي تم إرسالها.
Table of Contents
Toggleكيف بدأت ديزني رحلتها مع دبلجة الأفلام المصرية؟
لم يكن “الأسد الملك” أولى تجارب الدبلجة للعربية من ديزني، بل سبقه تجارب أقدم كفيلم “سنو وايت والأقزام السبعة” الذي عرض بدور السينما عام 1975، وقد أدت الفنانة “فاطمة مظهر” دور سنووايت فيما تم اختيار الفنان “عبدالوارث عسر” لدور الراوي.
لم يكن اختيار ديزني للفريق المصري القائم على دبلجة الفيلم عشوائياً؛ ففي البداية تم ارسال عينات من الفيلم لمصر ولبنان، وقد تفوقت النتيجة النهائية المصرية على اللبنانية. أعاد “سمير حبيب” الموزع الموسيقي تلحين معظم أغاني النسخة الأصلية، وقد ساهم في ذلك كونه واحدًا من أهم شخصيات فرقة “الجيبسي”، تم اختياره من قبل شركة ديزني ليكون مخرجًا فنيًا لها، وعليه أن يقدم خطته في مدة 3 أشهر، ويقترح الأصوات المناسبة لكل شخصية، على أن يرسلها للشركة لتأكيد الموافقة عليها.
إلى جانب الدبلجة الاستثنائية، ما السر وراء النجاح الساحق الذي حققه الفيلم؟
يعتبر البعد العاطفي واحداً من أبرز العناصر التي ساهمت في نجاح نسخة الأسد الملك بالعامية المصرية، فمع الاختيار المميز للممثلين، لعب التمصير أو التوطين عنصرًا مهماً في تسهيل مهمة الدبلجة، فأغنية “دايرة الحياة” أعيد غنائها من قبل مغنية دنمراكية من فرقة “الجيبسي” تتقن العربية، وقد تمتعت المغنية بنبرة قوية توازي النبرة المميزة للأمريكية ” كارمن تويلي” وقد اعتبر الكثيرون الأغنية المدبلجة أفضل حتى من النسخة الأمريكية الاصلية
لم يكن بعد الشخصيات العاطفي بمعزل عن الدبلجة والتمصير أو التوطين، قام الفنان “عبدالرحمن أبو زهرة” بتقديم شخصية سكار، التي اعتبرت أفضل دبلجة للشخصية على مستوى جميع النسخ العالمية، وقد تم تكريمه من قبل شركة ديزني على أداءه المميز والاستثنائي للشخصية؛ أبرز “أبو زهرة” الجوانب النفسية المتناقضة والمعقدة لشخصية “سكار” حيث ساهم الصوت الأجش، النبرة الساخرة والحوارات المفعمة بالانفعالات كالغيرة، الغضب وحتى الحقد، في إحداث هذا التأثير لدى الجمهور في مصر ودول الخليج.
كانت شخصية تيمون من الشخصيات التي استغرقت وقتًا لاختيار الممثل الذي سيؤديها، وبعد ثلاثة شهور تم اختيار “محمد هنيدي” لأداء الشخصية، وتعتبر هذه الشخصية من أشهر الشخصيات في فيلم “الأسد الملك” حيث أضاف حس الكوميديا لدى “هنيدي” طابعًا مميزاً من خلال تمصير النكات والافيهات.
كيف مثل نجاح الاسد الملك حجر الأساس في دبلجة أعداد ضخمة من أفلام ديزني للمصرية ؟
كان للتوطين الثقافي وتمصير المحتوى النصيب الأكبر من نجاح الفيلم؛ حيث مثل حجر الأساس التي تم بناء جميع عناصر عملية التمصير أو التوطين عليها، من الاختيار الناجح والدقيق لنخبة فنية مميزة كمؤديين صوتيين، لإعادة تلحين الأغاني وغنائها من قبل مغنيين مصريين، لإعادة كتابة الحوارات وتكييف النكات، والعبارات للعامية المصرية مثل “هبقى طيشة” “إديله على حنتور عينه” وعبارات أخرى.
يعتبر الأسد الملك البداية لعملية التوطين الكاملة للأفلام، حيث تمت دبلجة : مسلسل “تيمون وبومبة”، “شركة المرعبين المحدودة”، “حياة حشرة”، “حكاية لعبة”، “فوق”، حيث لم يكن نجاح “الأسد الملك ” مجرد ضربة حظ بالنسبة لديزني، بل تم اعتبارها بداية تاسيس عقد كامل من هيمنة الدبلجة المصرية على أفلام ديزني.
تغيرت اتجاهات ديزني للدبلجة في عام 2012، حيث اتجهت للدبلجة العربية الفصحى بدلًا من المصرية، فتمت دبلجة الأفلام للعربية الفصحى، في عام 2022 و نتيجة للحملات الشعبية على مواقع التواصل والتي طالبت بعودة الدبلجة المصرية مرة أخرى، حيث تتمتع اللهجة المصرية بقبول واسع وقدرة فريدة على الوصول للجماهير العربية في الشرق الأوسط، عادت ديزني مرة أخرى للدبلجة المصرية بعد 10 سنوات بتقديم “فيلم إنكانتو” بالعامية المصرية، وقد أعيد دبلجة الأفلام في فترة التوقف مرة أخرى للمصرية.
لم يكن نجاح “الأسد ملك” مجرد صدفة، بل كان استعراضًا لسحر الدبلجة للعربية، وكيف يمكن للتوطين الصحيح أن يخلق حالة وجودية ومؤثرة لدى الجمهور العربي، ويساهم في تقديم مشاريع وأفلام ناجحة تتفوق على النسخ الأصلية لها، وصنع ذكريات مميزة استمرت لما يزيد عن 3 عقود لأجيال مختلفة.

